ماذا زرعنا لنحصد هذا الخراب" منذ أيام أفكر بهذا الخراب الذي حل بنا منذ سنوات ومشيئة الله بكل ما يحدث لكني مؤمن بشيء واحد كان يردده على مسمعي صديقي محمد " رب الخير لا يأتي إلا بالخير والشرور من البشر"
موقن إن هذا الشر من صنع أيدينا وإننا أيضا لم نفعل ما هو مطلوب لكي نتخلص من العفن في رؤوسنا، إننا منافقين، يجب إن نشفق على أنفسنا ونخجل منها كذلك، لا نترك حديث وإلا نأكل بعضنا فيه، نتكلم في بعضنا بما نكره ونعمق الجرح أكثر، نسرق بعضنا مع ابتسامة عابرة لا تمثل الإنسانية بمقدار بسيط.
أعلم إن بعض الأشياء لا تعود أبدا، كما أن جزء منّا يذهب ولا يعود أيضا.
مازال لدينا الوقت لنفعل شيء، الوقت الذي نملكه هو أعظم ما بين أيدينا وعلينا إلا نسمح له بالذهاب كما نفعل دوما مع كل شيء.
من أجل أصدقاءنا الذين ماتوا وهم يحاولوا الحصول على الحياة، من أجل بلال، سامي،ضرغام،موسى والكثير من الجيران والأقارب، من أجل بيوتنا التي لن نعود لها والذكريات التي دُفنت هناك.
عندما غادرت غزة كان الأمر أشبه بخروج روحي من جسدي، شعرت إن شيء ما يتصارع داخلي ثم خرج بالبكاء، في ذلك اليوم ودعت من تبقى من أهلي هناك وذهبت بعدها إلى بيت صديقي محمد كي نذهب إلى الحافلة التي ستنقلنا إلى معبر كرم أبو سالم.
عندما الحافلة ودعت محمد وأحمد أخيه وابن عمهم "رجل أعمال العائلة" كما ينادونه، أنا ومحمد مثلنا الدور باتقان لأننا لا نحب الوداع، كأننا سنلتقي مجددا بعد يومين على سطح المنزل، ندخن النرجيلة، نتحدث عن التاريخ والوطن وعن أحلامنا المؤجلة ويحدثني عن مشاعره تجاه ابنته إلين وفي كل مرة يخبرني بشعور واحد عنها يعطيني سبب جديد كي لا أنجب طفل في حياتي.
لكن ما لا يعرفه محمد إن كل مرة كنّا نمر فيها عن شركة بلال في شارع سوق النصيرات كنت أراه كيف ينظر إلى باب الشركة، كأنه ينتظر خروج بلال من الباب لكنه لن يخرج أبدا، لأن بلال حان دوره كما أخبرك قبل صعوده إلى السماء، أنا أيضا كنت اشتاق له ومازلت، أفتقد العصير البارد الذي كان يقدمه لنا، وأذكر المعكرونة بالبشاميل التي صنعها من أجلي بعدما نزحت من بيتي من الشمال للجنوب، أعرف إن شوقك له أكبر من شوقي لأنك تعرفه منذ الولادة، شهدت على كل تفاصيله أكثر مني، لكن من أجل كل هذا، من أجل كل هؤلاء الذين ما زالوا في صدورنا ومن أجل الذكريات التي حُرقت يجب إن نفعل شيء ما يعدينا إلى الحقيقة.

مازال لدينا وقت لنفعل شيء

من أجل أصدقاءنا الذين ماتوا وهم يحاولوا الحصول على الحياة، من أجل بلال، سامي،ضرغام،موسى والكثير من الجيران والأقارب، من أجل بيوتنا التي لن نعود لها والذكريات التي دُفنت هناك.