كان الليل في غزة طويل جدا، كان يتمدد كثيرا والليلة الواحدة تصبح ليالي، كنت أنام على فرشة ملمسها خشن بعض الشيء، لقد كنت محظوظ لأني حصلت على واحدة بعد عناء النزوح، على يميني كان حائط يحدثني طوال الليل عن الموت وسقف عمارة من خمس طوابق ربما تسقط على رأسي في أي لحظة، الحائط أيضا يقول ربما انهال على وجهك ذات مرة دون إن تشعر لكني أعرف شعور الموت والبرد أيضا لأني مازلت ابن المدينة ولأنها لم تغادرني، مشاعرها الباردة التي تشعرني إني بلا غطاء رغم غطائي السميك الذي حصلت عليه بعدما رجف جسدي كثيرا على الأرض في بداية العدوان، الخوف المستمر من النزوح والموت، الشعور بالجوع والموت منه أيضا، التيه، والبكاء المستمر على قلوبنا المخلوعة.
الجو في إيطاليا بارد جدا، اشد برودة من غزة لكن برد غزة معجون بالوجع، بالشعور بفقدان الشخص إنسانيته، أنام في غرفة في سكن جامعي الحرارة فيها معتدلة، سرير نظيف وحمام خاص لا انتظر على بابه صباحا، كنت انتظر على باب الحمام في غزة كثيرا، لقد كان الأمر أشبه بالمبيت في الحمام بسبب قرحة القولون، مازال ذلك الوجع يحاصرني ومازلت معلقا من صدري مع كل الذين تركتهم خلفي ، برد إيطاليا برد ناعم مقارنة بذلك البرد الذي جردني من شعوري بنفسي والنوم على التراب، النوم في خيمة والاستيقاظ على لسعة قوية أو شجرة طارت ضربت خيمتك التي تصنع فيها طوال الصيف لتحميك من العواصف ثم تجد نفسك خاوي أمام الألم.
الليل هنا سريع جدا ولا أجد لنفسي مساحة كي أشعر بذلك التعب، رغم ذلك بكيت كثيرا، مشيت كثيرا، وضاق صدري أكثر، الفارق يوم واحد فقط بعدها وجدت نفسي بين المحاضرات والدراسة والاختبارات، كيف لي إن أترك نفسي مع كل هذه الأشياء وأنا ما زلت محاصر، مازال قلبي يؤلمني على ما مضى، ربما يظن الكثير أنني بخير وإن حكايتي انتهت بين زحام السيارات، لكن الوجع بدأ يأخذ شكل آخر أكثر حدة وشراسة.
ما زلت هناك، حكايتي لم تنته وصوتي لم يموت، غزة مازالت تواجه الموت وحدها وعلينا إن نحفرها في ذاكراتنا لأن سرعة الحياة مخيفة، أنا عصام أكتب من أجلي وعائلتي وشعبي، غادرت غزة لكنها لم تغادرني.

كان الليل في غزة طويل جدا

أنا عصام أكتب من أجلي وعائلتي وشعبي، غادرت غزة لكنها لم تغادرني.