فاطِم التي يحبها الكثيرون، من غنت بصوت أسمهان، وكتبت ما تصوره وصورت ما كتبته.

أي خبرٍ هذا يا فاطمة سأكمل بهِ يومي، أنا الذي ظننت أني من كثرت الفقد لن يزورني الحزن أكثر، فعاد وخطفكِ منا. 

فاطِم التي يحبها الكثيرون، من غنت بصوت أسمهان، وكتبت ما تصوره وصورت ما كتبته.
فاطمة حسونة في مسار ثقافي تمسك كاميراتها لتلتقط غزة كما هي.

في الفقدان شيءٌ من تجريد الذات من انسانيتها لِنتقبل موتنا المُوحش...

في صباح الأربعاء السادس عشر من ابريل، كُنت قد استيقظت باكراَ أكثر من أي يومٍ آخر، لم أتصفح الانترنت، وكل ما كنت افكر به حينها أن ارتدي ملابسي بسرعة لأذهب لعملي، واليوم دوناً عن أي يومٍ سابق لم أيقظ أختي بيسان لنغادر سوياً كعادتنا طيلة وجودنا بالشمال، تركتها تستيقظ وحدها لا أستعجل بطئها. 

وقبل أن أغادر رن هاتفها: 

  • صباح الخير. 
  • شفتي الخبر!
  • خبر شو، شو في!
  • فاطمة حسونة استشهدت هي وعائلتها.. 
  • شو بتحكي! 
  •  الله يرحمها..
  • الله يرحمها!
  • احكي لبيسان اه، وديري بالك ع حالك
  • سلام 

أي خبرٍ هذا يا فاطمة سأكمل بهِ يومي، أنا الذي ظننت أني من كثرت الفقد لن يزورني الحزن أكثر، فعاد وخطفكِ منا. 

فاطِم التي يحبها الكثيرون، من غنت بصوت أسمهان، وكتبت ما تصوره وصورت ما كتبته. 

تركت هاتف اختي وغادرت دون أن أقول وداعاً، لم أقل لها شيئاً ابداً، هربت من وقع الصدمة، لاذهب لعملي، كنت أريد أن أركض في الشارع أن أذهب لبيتها، لكنني كل ما أعرفه أنها تسكن في منطقة التفاح، ليس أكثر. 

وصلت، وكل ما في رأسي: ميار طالما لم تري الخبر يبقى هو مش أكيد، كانت هبة -صديقة بيسان- هناك صدفة وجاءت لِتحضنني، لم استوعب، لِم تحضنني؟ 

  • الله يرحمها
  • الله يرحمنا كلنا، الرحمة تجوز على الحي والميت وهي أكيد حية، عادي يعني!

لم يتوقف قلبي عن الإنكار، أنا لا أقوى على فقدٍ آخر، كنت أفكر متى سألتقي بها، وكنت أؤجل اللقاء ظناً أن الحرب ستنتهي وأن لدي مُتسع من الوقت لاراها، لم أفكر للحظة واحدة أن يباغتني الفقد فلا أراكِ يا فاطمة. 

" نحن لم نبك ساعة الوداع! فلدينا لم يكن وقت ولا دمع ولم يكن وداع! نحن لم ندرك لحظة الوداع انه الوداع فأنى لنا البكاء!"

كانت فاطمة أول من شاركتنا في قاعة يراعات عرض "طه" لِلفنان عامر حليحل، أول من شاركتنا أول سطرٍ من الأغنيات، والأحاديث التي ملؤها شيء من الأمل، هي فاطِم هكذا تحب أن تشاركنا اللحظات لتلتقط لنا الصور والفيديوهات، عرفتها عام 2019 في قاعة يراعات، صوتها يعلو فوق أصواتنا لِتسكتنا، ليأتي أي شخص من خارج قاعة يراعات ويقول لفاطمة أن تخفض صوتها. 

بين المبادرات، والرحلات، وطرق غزة من شمالها لجنوبها، عندما نلحظ اختفائها نعرف أنها برفقة آنيا -كاميرتها- تصور البلاد، وحدها فاطمة دوناً عنا جميعاً كانت تلتقط اللحظة وتعلمنا أن ندرك اللحظات قبل أن نفقدها. 

لم أفعل شيء بِاطار العمل، كل ما فعلته أنني جلست أمام شاشة اللاب توب وحدقت بها ست ساعات متواصلات وأجلت كل مواعيدي، وركضت بعدها لِباباروتي، حيث اجتمعنا كثيراً مع فاطِم هناك، وكل ما كنت أريده أن أجلس وحدي لِاستمع لِصوت البكاء بداخلي، أن أبكي، فأنا لم أبكيكِ يا فاطِمة منذ الصباح، لم أبكي على فاطِم التي اعتادت أن تقول لي "والله اشتقتلك يا ميار" كيف من فرط شوقي لم ابكي! أي قلبٍ هذا!

جلس معي صديقي حسين محاولاً أن يحاورني وما أجدت فعله أن لا أركز معه، حينها حسين أدرك أنني لا أحمل القوة لِأتحدث بأي شيء لا يخص حالة الحزن التي أغرق بها، فأكمل وقته يرسم، وأنا وضعت السماعات في أذني محاولة أن أخفض صوت موسيقى المكان، وأرفع صوت فاطمة وهي تغني في كل الفيديوهات لدي. 

صوت المكان يعلو وصوت فاطمة يتلاشى، لِم تذهبين يا فاطمة من رأسي وتتركين بداخلي شهية البكاء!

ربما كانت غلطتي أنني لم أنظم لقاء بيننا، أنني لم أركض من الجنوب عائدة لأراك، وربما هي مشيئة القدر، أن يرحلو من أحبهم ولا أراهم. 

تركني حسين على الطاولة وحدي.

التيه هو سيد الموقف حينها، ضبابية الوجهة، وانعدام القدرة على المضي باتجاه البيت، لم أدرك بأن فصول الفقد لا تنتهي، بل هي حالة مستمرة باستمرار الحرب! 

لِم لا ينهض أحد من على كرسيه وينفي خبر موتك! لربما تكون فاطمة اخرى تحمل نفس اسمك، لم رحيلك يشعرني بثقل رحيل من سبقوكِ، ربما لأن هذه المرة المسافة أقصر لا يفصلنا حاجز نتساريم، وربما لغز البكاء بالحاجز والمسافة، ربما أدرك الآن أنني أجبن من أن أنكر حقيقة أن جميعكم رحلتم وأن الحرب لن تنتهي، لذا الفقد لن ينتهي ببشاعته، وبكل ما يحمله من ركام. 

ربما أنا أجبن من أن أبكي على من هدأت أجسادهم من الحرب، لِأبكينا بالأكثر على أننا نعيش أياماً اخرى بالحرب، ولأنني لا أريد أن يقتلني طيف الحرب بلا وداع الاصدقاء. 

وربما هذا ليس مجرد طيف، بل حياة مستمرة بالحرب. 

في كل الصور التي تجمعني بفاطِم كانت تسند ساعدها على كتفي، كانت تبتسم، عيناها اللوزيتان كنت أحبهما، وكنت دائماً اخبرها بذلك، لم يتوقف الحزن عند ذلك، بل بينما أقرأ منشورات الاصدقاء عنها عرفت أنها دُفنت بلا رأسها الجميل، بلا عينيها، وحينها لم أدرك ماهية مشاعري تجاه الموت! تجاه خسارتنا لكِ يا فاطمة!

الكاتبة: ميار نتيل